فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
وذلك باطل ، وأما ان كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى ، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل . الحجة الثانية : أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية ، أولا يكون على السوية ، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح ، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع ، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته ، فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى ، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول ، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم ، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا . الحجة الثالثة : التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل ، والندم والعزم من باب الكراهات والإرادات ، والكراهة والإرادة لا يحصلان باختيار العبد ، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل ، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى ، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر ، فثبت أن القول بالوجوب باطل . الحجة الرابعة : أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم ، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثراً في ذات الله وفي صفاته ، وذلك لا يقوله عاقل . فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين ، فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب ، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة " على " وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله : * ( إنما التوبة على الله ) * وبين قوله : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) * . إن قيل : فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع ، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا . قلنا : الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للايقاع ، والتبع لا يغير الأصل ، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع . أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق . المسألة الثانية : أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين : أحدهما قوله : * ( للذين يعملون